الشنقيطي
106
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أيّ موضع كان ، ولا قضاء عليه ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا ، وحلّوا من كلّ شيء قبل الطّواف ، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ، ثمّ لم يذكر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا ، ولا يعودوا له ، والحديبية خارج من الحرم . انتهى منه بلفظه . وقد قال مالك في الموطأ إنّه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حلّ هو وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي ، وحلقوا رؤوسهم ، وحلّوا من كلّ شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي ، ثمّ لم يعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممّن كان معه أن يقضوا شيئا ، ولا يعودوا لشيء انتهى بلفظه من الموطأ « 1 » . ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما ، قالوا : أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر ، أو مات . وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية ، وكانت عدتهم ألفين ؛ لأن الشافعي - رحمه اللّه - قال : والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت ؛ لأنا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون ، ثم اعتمر عمرة القضية ، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال أه . فهذا الشافعي - رحمه اللّه - جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة ، في نفس ، ولا مال . وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي . وقال ابن حجر في الفتح : ويمكن الجمع بين هذا إن صح ، وبين الذي قبله ، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب ؛ لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر . وقال الشافعي في عمرة القضاء : إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبين قريش ، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة ا ه . وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر قاله ابن حجر . وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه : « وقال روح عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : إنّما البدل على من نقض حجّه بالتّلذّذ ، فأمّا من حبسه عذر أو غير ذلك ، فإنه يحلّ ولا يرجع . انتهى محل الغرض منه بلفظه . وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وفيه : فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء
--> ( 1 ) كتاب الحج حديث 98 .